مفاوضات مسقط: فرصة للسلام أم للمناورة؟

وفد الحوثيين يلتقي المبعوث الأممي إلى اليمن، فبراير 2022 (رسمي)

مفاوضات مسقط: فرصة للسلام أم للمناورة؟

التحليلات

الثلاثاء, 17-05-2022 الساعة 09:43 مساءً بتوقيت عدن

سوث24 | وضاح العوبلي 

سبع  سنوات ونيف مضت من عمر الحرب الأهلية في اليمن، وهي معركة طال أمدها لأسباب مختلفة، ما انعكس سلباً على مختلف الأوضاع في بلد ذا بنية تحتية متواضعة وإمكانيات وموارد محدودة. الأمر الذي يجعل خيار رفض الحرب وتحقيق السلام العادل خياراً أساسياً لا مفر منه بعد هذه الفترة الطويلة من الصراع الممتد منذ 2014، وما رافقه من معاناة جراء العنف وانعدام الخدمات وانقطاع الرواتب ونهب الموارد وتدمير البنى التحتية الاقتصادية والخدمية والتعليمية، إلى جانب حرمان البلاد من مشاريع وانجازات كان يمكن تحقيقها خلال هذه الفترة التي تم استهلاكها في الحرب والدمار. فبعد أن تحوّلت الحرب بلا أفق من وجهة نظر المجتمع الدولي، أصبح خيار وقف الحرب وولوج أطراف الصراع إلى مفاوضات السلام أمراً مُلحاً وموقفاً دولياً موحداً ومنسجماً. 

استعراض إمكانية السلام   

نعتقد أنّ أي سلام مستقبلي يتطلب خطوات ذات بعد استراتيجي تُصاغ ضمن اتفاق عصري وتاريخي، يضمن أمن المنطقة لمائة عام قادمة على الأقل، وهذا ما لا يبدو أنه ممكناً مع جماعة متصلبة كجماعة الحوثي التي برعت في مناورات السلام، وجعلت منها محطات للانطلاق إلى ما هو أوسع، رغبةً منها في الوصول إلى سيطرة كاملة على جغرافيا اليمن. والحديث هنا مبني على قراءة موضوعية ومنصفة لتاريخ من نقض الاتفاقيات وعدم الالتزام بالتعهدات السابقة التي قطعتها الجماعة في أكثر من محطة تفاوضية، وهو ما جعل انعدام الثقة توجّسات مشروعة للأطراف الأخرى المناوئة لها. 

خيار القوة لفرض السلام  

يعتقد البعض أنّ معادلة "القوة لفرض السلام" هي الأجدى للدفع بجهود السلام إلى المربع الفعلي في هذه المرحلة، وهي المعادلة التي قد يستعد لها التحالف العربي ومعه القوى المحلية التي يقف معها ويدعمها، إذ تعد متطلباً أساسياً وواقعياً في هذه المرحلة.

هذا الاعتقاد، قد يفسّره البعض بأنه ليس متطرفاّ أو يدعو للعنف أو لاستمرار الحرب، ولكنه ينبع من واقع اليقين المطلق باستحالة أي سلام ممكن في اليمن، في ظل استمرار المعطيات الحالية لموازين القوى المحلية، والتي يحتفظ فيها الحوثيون بالسلاح الثقيل والنوعي الذي يتجاوز خطر تهديده للأطراف المحلية إلى دول الجوار والإقليم عموماً. 

دوافع التعنت الحوثي  

مهما كان الاستنزاف الذي تعرّض له الحوثيون خلال ما يقارب ثمان سنوات، إلاّ أن هذا لا يعني أنه قد وصل إلى الدرجة التي تشعر معها الأطراف الأخرى بالأمان. فالحوثيون اعتمدوا في حربهم على مخزون استراتيجي من الأسلحة المتنوعة والنوعية الخاصة بالدولة والجيش، وهو مخزون كبير ومتنوع يكافئ في حجمه ومستوى نوعيته تسليح أمثاله من جيوش المنطقة العربية بفوارق بسيطة ومتفاوتة، الأمر الذي يعني أنّ ترجيح موازين القوة ما زالت لصالحه.

لا يقف الأمر عند هذا الحد، فإلى جانب تسليح الدولة الذي استولى عليه الحوثيون عقب انقلابهم في 21 سبتمبر 2014، فقد اُتهموا بتهريب الأسلحة واستقبال الشحنات المصدرة إليهم من إيران وأذرعها الطائفية في المنطقة كحزب الله اللبناني الذي ثبت وجوده في اليمن في أكثر من مقطع فيديو[1]. ولم يغفل الحوثيون كذلك التخطيط مع حلفائهم للاستفادة من تطوير وتعديل الصواريخ التي كانت ضمن ترسانة الجيش اليمني، بما فيها المخزون الكبير لصواريخ الدفاع الجوي، الذي سلّمها الحوثيون لفريق فني عسكري إيراني ليتولى تحويلها وإعادة تعديلها من نسختها الأصلية كصواريخ (أرض-جو) إلى نسخة صواريخ (أرض-أرض) مع زيادة مدياتها، وهو ما اعتمد عليه الحوثيون وما زالوا إلى اليوم في زيادة ترسانتهم من الصواريخ. الأمر الذي يعزز من أن تهديدهم سيظل مستمراً وقائماً أكثر مما كان عليه في السابق، ما دامت أيديهم على هذا السلاح وما دام رفضهم قائماً لتسليمه. 

مشاورات مسقط: استراحة محارب واستكشاف مواقف 

يراهن الحوثي على أن إطالة فترة اللا حرب واللا سلام هي المسار الأنسب لجماعته في هذه المرحلة التي يحتاج فيها لإعادة لملمة صفوف قواته واستعادة قواه المنهكة بعد سبعة أعوام من الحرب. حيث اتسم العام الأخير منها بالتصعيد المتواصل رغم قلة فاعليته على جبهات مأرب، وهي ذات الفترة التي تضعضعت فيها عزائم ومعنويات من تبقى من مقاتليه، واهتزت ثقتهم وعقيدتهم التي كانت لا تقبل التشكيك بها من قبل. فالقوات الحوثية كانت تعتقد اعتقاداً يقينياً مطلقاً بأنه لا يمكن لقوة أخرى أن توقفها عن تحقيق ما تريد، بيد أنّها وجدت نفسها في مأزق أمام المقاومة في مأرب وبعض رجال القبائل رافقها ضربات جوية مركزّة لطيران التحالف استمرت زهاء 11 شهراً، توّجتها قوات "العمالقة الجنوبية" بتحرير مديريات (عسيلان وبيحان وعين وحريب)، وهو ما كشف ظهر القوات الحوثية المتقدمة في البلق وصحراء "أم ريش" شمال الجوبة، في الجبهة الجنوبية والأخطر على مأرب. الأمر الذي أرغم الحوثيين على التعاطي مع هذا المتغير المحوري الذي طرأ على خارطة سير المعركة، وكبح عنفوان تقدم قواتهم.

بصورة أعمق، هذه العوامل وغيرها من العوامل الخارجية المرتبطة بقرب فعاليات التوقيع على الاتفاق النووي الإيراني، هي من دفعت بالجماعة الحوثية لقبول المشاركة على مضض ضمن المشاورات الجارية في مسقط، ولكنها على الرغم من ذلك ترى فيها فرصة لأن تتمكن الجماعة من استطلاع واستكشاف وقراءة المواقف السعودية، وكذلك مواقف الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة والمؤثرة في الملف اليمني. ولن يجد الحوثيون حرجاً من ممارسة الضغط والتعنت وافتعال العراقيل؛ وبما يتيح لهم الحصول على أعلى قائمة مكاسب من هذه الجولة كما حصل في سابقاتها من جولات المفاوضات المتعددة التي انعقدت في جنيف والكويت وبيل واستكهولم في فترات متفرقة من سنوات الحرب الماضية. كان آخرها المفاوضات المنعقدة في استكهولم أواخر ديسمبر 2018، والتي حقق الحوثيين فيها مكاسباً احتفظوا بها وما زالوا، مقابل تنصّلهم عن التزاماتهم التي وردت في ذات الاتفاق،  كما تتهمهم الحكومة اليمنية، ومنها انسحابهم من موانئ الحديدة الثلاث، وانسحاب قواتهم خارج مدينة الحديدة، وهو مالم يحصل حتى الآن، بل مثّل إضافة لمحطة جديدة من محطات الإخلال بالالتزامات والتعهدات ونقض الاتفاقيات. وهو سلوك سائد درج الحوثيون على انتهاجه، منذ حربهم الأولى على الدولة عام 2004، وليس انتهاءً بـ "استوكهولم" وربما "مسقط".

مقاربات السلام وموقف الحوثي 

بلا شك، إن تحقيق السلام يتطلب تنازلات ضرورية من جميع أطراف الصراع، ولا يبدو من خلال المعطيات المتاحة أن الحوثيين مستعدون لتقديم تنازلات مطلوبة، وفي الغالب لن يقبلوا بسلام يأخذ منهم ما اعتبروه مكسباً خاصاً للجماعة، فهم يذهبون إلى التشديد على أنّ ما تحقق لهم كان حصيلة لدماء الآلاف من مقاتليهم، وأن أي تنازل عمّا لديهم هو من وجهة نظرهم خيانة لدماء من ضحوا من أجلهم. بطبيعة الحال، هذا الموقف بحد ذاته يكفي لانسداد الأفق أمام أي تسويات قادمة، ويجعل من الصعب الوصول إلى صيغة مشتركة أو تفاهمات ممكنة مع الحوثيين كجماعة متشددة تؤمن بخصوصياتها وثوابتها، وتتعامل مع مكوّنات الشعب بنوع من التمييز والطبقية، وبهذا يبقى هناك الكثير مما يمكن أن يؤسس لاستمرار واستئناف الصراع.  

فرضية السلام في نظر الجماعات الأيديولوجية 

وإذا ما افترضنا أن الحوثيين قد يقبلون بسلام شكلي ومؤقت، لكنهم في الحقيقة لن يتخلوا عن بعض ما يعتبرونه ثوابت لا يحق لباقي المواطنين المساس بها. على سبيل المثال: تغزو شوارع صنعاء وحيطان الجامعات والمنشئات والمكاتب الحكومية والمدارس والحدائق العامة، صور وشعارات لزعيم ومؤسس الجماعة "عبدالملك الحوثي"، وأسماء مستحدثة لرموز الجماعة[2]. ويمكن تعزيز الطرح هنا بعدد من التساؤلات، من بينها: هل سيقبل الحوثيون محو تلك الصور والشعارات كبادرة حسن نية لتطبيع الأوضاع عند أي تسوية سياسية قادمة؟ وكيف سيتعاملون مع أي دعوات لمحو تلك الصور والشعارات الطائفية من شوارع صنعاء؟ وهل سيقبلون بإلغاء المسميات المستحدثة للمدارس والقاعات والشوارع التي قاموا بتغيير أسمائها على أسماء بعض قتلاهم أو بأسماء رموز دينية للطائفة الشيعية والإيرانية؟

من المهم القول، أن الحوثيين ربما يواجهون هذا الأمر بصلابة، وسيتعاملون مع أي دعوات بهذا الشأن على أنها مدفوعة من أطراف خارجية، وربما تتجه الجماعة لقمعها، ولن تجد ما يمنعها من تفجير الموقف والتهديد بالعودة إلى الحرب بمجرد أن تتطرّق الأطراف الأخرى لهذه التفاصيل التي تبدو في ظاهرها بسيطة، مقارنة بتفاصيل على مستوى أعلى تتطلب إيماناً وقبولاً حوثياً بأحقية الأطراف الأخرى بالشراكة فيها. 

وجهة النظر الحوثية في مفاوضات مسقط  

تشير تسريبات قادمة من "مسقط" بعمان، أن الحوثيين متصلبون في مواقفهم الرافضة لتسليم أي منطقة من المناطق الواقعة تحت سيطرتهم، ويرفضون كذلك مشاركة الأطراف اليمنية الأخرى في حكم وإدارة تلك المناطق. ويطالب الحوثيون أيضاً بمنحهم إدارة وحكم تلك المحافظات حكماً ذاتياً، مع احتفاظهم بسلاحهم. وهذا إن تم فهو بداية لتثبيت سيطرتهم وحكمهم على تلك المناطق وإغلاقها كلياً أمام باقي الأطراف، الأمر الذي سيساعد الحوثيين تدريجياً على عزل المناطق تحت سيطرتهم عن امتدادها الوطني والتاريخي والثقافي، وسيعمل على تغيير هويتها وتحويل كتلتها السكانية الكبيرة إلى وقود لجولاته العسكرية القادمة. وقد بدا ذلك جلياً، من خلال الاتهامات له بالتنسيق مع عناصر من تنظيم القاعدة مؤخراً، لمحاولة زعزعة استقرار محافظات الجنوب عقب تشكيل المجلس الرئاسي، لاسيّما بعد قدوم الأخير إلى العاصمة المؤقتة عدن، وفقا لصحيفة عكاظ السعودية.[3] 

فجوة المفارقات والتناقضات بين رؤى الطرفين  

من يقرأ مواقف وتصريحات الحوثيين خلال الفترة الأخيرة، سيصاب بخيبة أمل كبيرة، لأن كل ما يصدر عنهم يناقض التوجه المحلي والإقليمي والدولي، ويظهر أيضاً أن هناك فجوة كبيرة وواسعة بين مصطلحات ومعايير السلام الذي يريده الحوثي، وبين معايير مصطلحات ومفاهيم السلام الضامن لأمن اليمن والمنطقة في المستقبل. ومن خلال قراءة مستفيضة لمواقف الحوثيين، يُستبعد أن تكون هناك مقاربات ممكنة للحل مرضية للأطراف الأخرى، ويكاد يكون تواجد قواسم مشتركة مع الحوثيين يمكن البناء عليها للسلام مع نفس الأطراف معدوما. فمشروع السلام الذي يريده الحوثيين تمت صياغته بما يناسب طموحات الجماعة ويحقق أهدافها لوحدها. كما لا يلتقي هذا المشروع مع باقي فئات الشعب اليمني في أي نقطة. الأمر الذي يقود في المحصّلة إلى الجزم بأن مشاركة الطرف الحوثي في مشاورات "مسقط" ليست إلا للاستطلاع والمناورة، ولمعرفة الانطباع الإقليمي والدولي وحسب.

خبير ومحلل عسكري، زميل غير مقيم في مركز سوث24 للأخبار والدراسات (الآراء الواردة تعكس رأي المؤلف) 


الحوثيون الهدنة اليمنية اليمن السلام في اليمن الأمم المتحدة مسقط سلطنة عمان