خليج عدن وباب المندب: حرب النفوذ وإعادة صياغة مسارات الأمن الإقليمي

خليج عدن وباب المندب: حرب النفوذ وإعادة صياغة مسارات الأمن الإقليمي

التحليلات

السبت, 16-10-2021 الساعة 08:24 مساءً بتوقيت عدن

سوث24| قسم التحليلات 

يمثّل  مضيق باب المندب شاهد على العديد من الصراعات والنزاعات وحروب النفوذ التي ظاهرها السياسة وجوهرها النفط والتجارة العالمية، وتحده من الجانب الأفريقي جيبوتي ومن الجانب الآسيوي اليمن، متوسط القارات الخمس، مُشكلاً رابطًا استراتيجيًا حيويًا في طريق التجارة البحرية بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الهندي عبر البحر الأحمر وقناة السويس شمالاً وخليج عدن جنوباً، حيث يمر حوالي (700 مليار) دولار  بما يُمثل (13 إلى 14 %) من التجارة  الدولية المنقولة بحراً سنوياً (1)، عبر المضيق البالغ عرضه نحو 30 كم، وتقسمه جزيرة بريم في جنوب اليمن إلى قناتين، الشرقية البالغ عرضها 3 كم وعمقها 30 مترا، والغربية بعرض نحو 25 كم وعمق 310 أمتار (2)

في محاولة لقراءة تأثير الجغرافيا السياسية في تطور ما يحدث من تداخل للمصالح والنفوذ على امتداد منطقة خليج عدن وباب المندب ومحيطها الإقليمي، تركز هذه الورقة على ما يدور على ذلك المسرح من تنافس إقليمي، لا سيّما السعودية والإمارات وإيران بذراعها الحوثي وتركيا الموالية للإخوان المسلمين، ومقاربتها مع ديناميكيات المصالح الدولية.

أولاً: سباق النفوذ وتحول التحالفات إقليمياً:  

تَعتبر الدول العربية المُطلة على البحر الأحمر وامتداده المتصل بباب المندب وخليج عدن وكأنها بُحيرة عربية لاعتبارات جيوسياسية مهمة، وليس بسبب المناحي الاقتصادية فقط. 

فقد اندمجت كلاً من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة على مدى العقد الماضي على نطاق باب المندب وخليج عدن أو ما يُسمى بمنطقة القرن الإفريقي باعتبارها "جزءًا لا يتجزأ من محيطها الأمني الأساسي". كان التحفيز الأولي هو تصاعد أعمال القرصنة والجرائم البحرية، ومع تصاعد مخاوف دول الخليج العربية بشأن تداعيات انتفاضات الربيع العربي، وتزايد نفوذ تيارات الإسلام السياسي، والنشاط الإيراني المتزايد في المنطقة، والصراع في اليمن -فضلاً عن التذبذب الملحوظ في السياسة الأمريكية وتراجع الأسبقية الأمريكية -أدى إلى زيادة التركيز وتوجيه الاهتمام للمنطقة. في العام(2014)، أسسوا لنفوذ في السودان وإريتريا لمنع إيران من تأسيس موطئ قدم على جناحهم الغربي، وفي العام (2015) أسست كلاً من الرياض وأبو ظبي مواقع عسكرية في جيبوتي وأريتريا ليتمكنوا من خلالها شن حرب موسعة ضد وكلاء إيران وخصومهم الإسلاميين في اليمن (3).  وبذلك تبنت دول الخليج سياسات خارجية أكثر استقلالية وحزمًا بشكل ملحوظ مما كانت عليه في الماضي، وطورت استراتيجيات تجارية وأمنية متكاملة للمنطقة، مصممة لضمان دور قيادي، وهكذا برز التنافس بين دول الخليج في انتشار القواعد العسكرية وتعزيز القوات البحرية في القرن الأفريقي والبحر الأحمر. 

جدير بالذكر أنه بين العامين (2000) و(2017)، استثمرت دول الخليج على رأسهم السعودية والإمارات ما يُقدر بحوالي (13 مليار) دولار في القرن الأفريقي وصرفت (6.6 مليار) دولار على شكل مساعدات إنمائية (4).  بالإضافة لمساعي الرياض لتشجيع الدائنين، شركاء البنك الدولي، للموافقة على تخفيف ديون السودان البالغة حوالي (60 مليار) دولار في مؤتمر باريس في 17 مايو للعام 2021 (5)، مما شجع وزارة الخزانة الأمريكية بعدها بأيام على إزالة السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب بشكل رسمي في 20 مايو (6)، كما نتج عن عدة اجتماعات بين الخرطوم والرياض اتفاق بتأسيس شراكة لتنسيق استثمارات بقيمة (3 مليارات) دولار في السودان، والتزام السعودية بإرسال فرق إغاثية إلى مختلف مناطق السودان. شجع دعم المملكة العربية السعودية للسودان الشركات الزراعية السعودية مثل مجموعة الراجحي على زيادة الاستثمار في السودان، بخاصة في منطقة دارفور التي مزقتها الحرب، لتصبح المُحصلة ضخ ما يزيد عن (35 مليار) دولار مُستْثّمَرة في السودان، كما أنه اعتبارًا من العام (2020)، تم استثمار (26.5 مليار) دولار سابقًا في الزراعة وحدها، فإن الساحل السوداني الممتد على مسافة (750) كيلومترًا والمتاخم للسعودية يجعل المنطقة والدولة عرضة لمصالح السعودية المحلية والإقليمية (7)

على نحو آخر، فإنَّ ديناميكيات الأحداث مؤخراً تحمل في طياتها مصادر قلق على رأسها استعادة الجيش السوداني للعلاقات مؤخرًا مع كل من تركيا وقطر بشكل متزايد، مما يشير إلى نوايا الجيش في استمرار الاحتفاظ بالسلطة في السودان من خلال التمركز مع مصالح الخليج بعد الانتهاء المفترض للفترة الانتقالية في 2023-2024 (8).  

ولا يُمكننا إغفال تغير أنماط الأمن الإقليمي بين العامين (2015) و(2017) بسبب طبيعة الوجود التركي في السودان والصومال وجيبوتي وإرتريا وإثيوبيا (9)، والتدخل العسكري بقيادة السعودية في اليمن والصدع داخل دول مجلس التعاون الخليجي مع ظهور الحصار المعارض لقطر، حليفة تركيا بسبب دعمهم لجماعة الإخوان المسلمين وعدائهم لمصر، إذ شكل ذلك نوع من أنواع القوة الدافعة للموانئ التجارية والمواقع العسكرية على ساحل البحر الأحمر في إفريقيا (10)، ذلك مع إدراك أنه كان للدبلوماسية السعودية الإماراتية المدعومة من تعهدات بتقديم مساعدات اقتصادية أثر مفيد على القرن الأفريقي. على سبيل المثال، التوسط في اتفاق السلام بين إريتريا وإثيوبيا في يوليو من العام (2018) وفي تسهيل الحوار بين إريتريا وجيبوتي. كما شاركت قطر في جهود وساطة في دارفور وإريتريا وجيبوتي (11)

 ولكن تلك التغيرات في أنماط  الأمن الإقليمي، جعل من الصومال ساحة معركة أخرى للتنافس السياسي بين التحالفات المتعارضة  ومساعي لتوطيد نفوذ إماراتي  بمساعدات إنمائية واستثمار في ميناء بربرة الصومالي في مواجهة النفوذ التركي الضخم حيث بلغ إجمالي مساعدات أنقرة لمقديشو على مدى العقد الماضي ما يزيد عن مليار دولار (12)، بالإضافة لما أعلنه الرئيس التركي تبرعه بمبلغ (30 مليون) دولار إلى الصومال شهر أغسطس للعام(2021) لتجديد وتوسيع ميناء مقديشيو، رغم ما تعانيه حكومته من ضائقة مالية في الداخل التركي، كما أنّ الوجود التركي في الصومال اتخذ بعدًا أمنيًا أكبر بعد قرار فتح قاعدة عسكرية في مقديشو-أكبر قاعدة تركية في الخارج-رغماً عن أنّ القاعدة هي منشأة عسكرية رسمية وقانونية لتدريب الجيش الوطني الصومالي (SNA)، إلا أنها في الواقع قاعدة عسكرية تركية كاملة في المنطقة، وبالتالي ، فهي تهديد محتمل للمصالح العربية (13).  

الخلافات في سياسات النفط مع المملكة العربية السعودية دفعت الرئيس الأمريكي بايدن إلى رفع العقوبات عن اهم شركتين في إيران ضالعين ومتخصصين في تصنيع الصواريخ النووية الإيرانية (14)، ذلك يأتي بالتزامن مع تقدم الحوثيين وسيطرتهم على مناطق جديدة في محافظة مأرب الغنية بالنفط. رأى بعض المراقبين أنّ ذلك مؤشر قوي لتقديم تنازلات ضخمة من أمريكا لصالح إيران، وبالتالي تعظيم القدرة الإيرانية على تدعيم الحوثيين الذين لا يتوانون عن استهدافهم خصومهم في جنوب اليمن وداخل الأراضي السعودية، فضلا عن تواجد قوة عسكرية إيرانية في خليج عدن وباب المندب، إضافة إلى قدرة الحرس الثوري الإيراني على إغلاق مضيق هرمز (15)

ربما هذا ما دفع السعودية لتطوير علاقات أعمق مع سلطنة عمان من خلال عدد من الاتفاقيات وفتح طريق سريع مباشر بطول (800) كيلومتر بين البلدين، بحيث تتمكن عبر ذلك الطريق البري من تقليل اعتمادها على تصدير نفطها عبر مضيق هرمز، مما يعرض التجارة السعودية للحصار الإيراني كما حدث في وقائع سابقة (16)، وهو شيء مُتوقع حدوثه مُجدداً في ظل رفع أمريكا يدها عن إيران ولو جزئياً.

التواجد العسكري وهندسة المصالح دولياً: 
لم تقتصر تلك البقعة الضيقة على محاولات تمديد نفوذ إقليمي وحسب، بل تراشق عليها سباق للنفوذ من عدة قوى دولية حيث أنشأت الصين أول قاعدة عسكرية خارجية لها على الإطلاق في جيبوتي، بالإضافة لضخ استثمارات تنموية في دول المنطقة باعتبارها محطة مُستهدفة في امتداد مبادرة الحزام والطريق، على بعد ستة أميال فقط من القاعدة الأمريكية الوحيدة في إفريقيا (17)، مما جعل مؤسسة الدفاع الأمريكية تُبدي اهتمامًا وثيقًا -سواء في البنتاغون أو في مقر قيادة المقاتلين المسؤولين عن إفريقيا والشرق الأوسط.

ولأهمية هذا المعقل البحري لطرق التجارة وحرية الملاحة في جميع أنحاء العالم (18)، وتأثير المنطقة الحيوي في السياسات الدولية عينت إدارة جو بايدن الأمريكية جيفري فيلتمان، كمبعوث بايدن الخاص للقرن الأفريقي لضرورة متابعة وانغماس الولايات المُتحدة في مُجريات الأحداث وتطور القضايا المطروحة، أهمها حرب اليمن وضرورة إدارة النفوذ الإيراني المُعادي لاستقرار دول الخليج العربي، وفيما يلي خريطة (19) عن دراسة مركز "STOCKHOLM INTERNATIONAL PEACE RESEARCH INSTITUTE"  توضح مدى تزاحم مُختلف القوى العظمى على التمركز عسكرياً على أراضي الدول المُتماسة مع خليج عدن وباب المندب، ونقاط الانتشار الكثيف للقواعد العسكرية كالولايات المتحدة، والصين، وفرنسا، واليابان في جيبوتي، وبريطانيا في كينيا، وتركيا في الصومال، والهند في مدغشقر وسيشيل، وإسرائيل في إريتريا.

خليج عدن وباب المندب: حرب النفوذ وإعادة صياغة مسارات الأمن الإقليمي

أعلن التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن بمايو  2021، أن قواته تتواجد في جزيرة بريم عند مدخل البحر الأحمر لمواجهة التهديدات المتصورة للتجارة البحرية من جماعة الحوثي المتحالفة مع إيران - وصدر ذلك البيان ردا على تقرير لوكالة أسوشيتد برس زعم أن الإمارات العربية المتحدة تعمل على تأسيس قاعدة جوية في الجزيرة (20)، المعروفة أيضًا باسم "ميون"، في مضيق باب المندب الحيوي - وجاء البيان ليوضح إن "جميع المعدات الموجودة في الجزيرة تحت سيطرة قيادة التحالف بغرض مواجهة مليشيات الحوثي وتأمين الملاحة البحرية ودعم قوات الساحل الغربي"، مع التأكيد عل عدم وجود قوات إماراتية في جزيرتي بريم وسقطرى واقتصار الجهود الإماراتية الحالية تتركز على توفير الدعم الجوي لعمليات التحالف في مدينة مأرب التي تحاول قوات الحوثي السيطرة عليها (21)

خليج عدن وباب المندب: حرب النفوذ وإعادة صياغة مسارات الأمن الإقليمي

التوصيات: 
- تفعيل عمل مجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن الذي تم الإعلان عن تأسيسه في يناير لعام (2020)، بقيادة سعودية ومشاركة مصر، والأردن، والسودان، وجيبوتي، واليمن، والصومال وإريتريا، ككيان إقليمي يخدم مُقدرات الأمن القومي لأعضائه، ويمثل حائط صد ضد تحركات تركيا وإيران في منطقة القرن الأفريقي، ليكون إطارًا يضمن فكرة الاجتماع والتنسيق السياسي والدبلوماسي، ومراجعة الملف الاقتصادي مع دول المنطقة مثل اليمن والسودان.

- ضرورة تكريس الجهود الإقليمية برعاية أمريكية للاتفاق على إنهاء الحرب في اليمن، وتعزيز المسارات السياسية لإيجاد حلول عملية لمختلف الأزمات التي تعصف باليمن، وإشراك الأطراف الفاعلة في ذلك.

- دعم وتعزيز القوات الأمنية المحلية في جنوب اليمن، وتلك المتمركزة في سواحل رأس عمران غرب عدن وباب المندب، خصوصا تلك التي أثبتت قدرة عسكرية وأمنية عالية إلى جانب القوات الإماراتية في الفترة من 2016 إلى 2019.

- تشجيع الاستثمار وتعزيز البنى التحتية وإنقاذ الاقتصاد المنهار في المناطق الجنوبية المحررة في اليمن، من شأنه أن يقلل من حجم المخاطر المحلية التي قد تشكلّها القوى المحلية المدعومة من إيران أو تركيا، كالحوثيين والإخوان المسلمين، على أمن منطقة باب المندب وخليج عدن. 

نانسي طلال زيدان                    
باحثة في العلوم السياسية والتحليل الإعلامي-القاهرة 

-الصورة: مضيق باب المندب الاستراتيجي (الحرة) 

 
-المراجع:  
1-  Zach Vertin, Red Sea geopolitics: Six plotlines to watch, December 15, 2019 
3-   Zach Vertin, op.cite.      
4-   Ibid. 
5- Jihad Mashamoun, Winners and Losers of Red Sea Politics in Sudan, August 6, 2021 
7-   Jihad Mashamoun, op.cite.      
8-   Ibid.  
10-   Zach Vertin, Red Sea geopolitics, op.cite.      
12-   Federico Donelli, Somalia and Beyond: Turkey in the Horn of Africa, 1 June 2020 
13- Ibid. 
15-   Zach Vertin, Red Sea geopolitics, op.cite.      
16-   Jihad Mashamoun, op.cite.      
18-   Zach Vertin, Red Sea geopolitics, op.cite.      
20-  سيطر التحالف العربي والقوات المحلية الجنوبية على بريم، وهو كتلة من الصخور البركانية توفر موطئ قدم على طرق التجارة الرئيسية، في العام (2015) بعد أن تدخل في اليمن ضد الحوثيين المتحالفين مع إيران، الذين أطاحوا بالحكومة المعترف بها دوليا من العاصمة صنعاء. 
21- Ghaida Ghantous&  Mark Heinrich ,Saudi-led coalition says it’s behind military buildup on Red Sea island, Reuters,27/5/2021 

خليج عدن البحر الأحمر السعودية الإمارات سقطرى القوات الجنوبية الحوثيون الحكومة اليمنية