إيران و«الإخوان المسلمين».. تحالفات خفيَّة للعلن

كتابات رأي

الثلاثاء, 04-02-2020 الوقت 11:00:53 مساءً بتوقيت عدن

الحديث عن العلاقة بين جماعات الإسلام السياسي قد يبدو شائكاً ومُعقَّداً، فلكل جماعة قناعاتها وإيمانها بشأن العقيدة والمذهب، وعلى سبيل المثال إيران و«الإخوان المسلمين» جماعتان لديهما انقسامات مذهبية سنية ـ شيعية تعود لسنوات، ارتبطت بخلافات تاريخية، بيد أن الأيديولوجيا التي تجمعهما في الأخير هي نقطة أقوى للتقارب وتوحيد المواقف، وإن وجدت مثل هذه الاختلافات المذهبية فهي قابلة للحل المؤقت والتفاهمات، على الأقل من وجهة نظريهما السياسية.

جاءت الحاجة الملحة لهذا الانسجام بسبب التغيرات الدولية والإقليمية في الشرق الأوسط، فـ«الإخوان المسلمين» شعروا بنشوة النصر إبان فوز مرشحهم محمد مرسي في انتخابات 2012 في مصر، وكانت إيران تدعم هذا التوجه، وتشجعه، وترى فيه معبراً لدخولها المنطقة العربية، ولكون هذا الصعود مثّل لطهران حالة إسلامية يمكنها من خلالها تقوية نفوذها، وكان لها أن أعادت توازناتها السياسية ووسعت نشاطاتها عبر عقد اللقاءات وتقديم المساعدة للإخوان عقب وصولهم للسلطة في بعض البلدان العربية.

ويمكن اعتبار الترابط والتقارب بين الجانبين لا يزال في أوجّه، رغم سقوط الإخوان في مصر ومحاصرة نشاطهم في بعض الدول، إلا أن موقف كل طرف يظهر بشكلٍ جلي في أشد الأوضاع خطورة.

| وحتى إن ارتأت جماعة الإخوان بأفرعها المختلفة إظهار نفسها بمظهر الاعتدال السياسي والدعوة للإصلاح الديمقراطي، مقارن بنظام يبدو قمعياً ومستبداً كنظام طهران، لكن العلاقة تتبدى في المصلحة التي يمكن أن يحققها الطرفان جراء تحالفهما الثنائي لضمان موطئ قدم لكلٍ منهما



فبعد مقتل سليماني «قائد فيلق القدس» تغير المشهد العسكري والسياسي تماماً بالنسبة لإيران، وخاصة أنها كانت تعتبر سليماني الوجه العسكري الأبرز لتحقيق طموحاتها في مناطق الحروب والتوتر الشعبي في العراق ولبنان وسوريا واليمن، فما كان من العلاقة الخفية إلا أن تظهر للعلن، وإن اختلفت بيانات النعي، فقد اعتبرته حسب خطاب هنية رئيس المكتب السياسي لحماس «شهيد القدس»، وحتى إن ارتأت جماعة الإخوان بأفرعها المختلفة إظهار نفسها بمظهر الاعتدال السياسي والدعوة للإصلاح الديمقراطي، مقارنة بنظام يبدو قمعياً ومستبداً كنظام طهران، لكن العلاقة تتبدى في المصلحة التي يمكن أن يحققها الطرفان جراء تحالفهما الثنائي لضمان موطئ قدم لكلٍ منهما، وخاصة أن علاقة الإخوان المسلمين تدهورت مع حلفائها في محيطها العربي عدا دولة قطر، وباتت تبحث عن حلفاء أقوى كإيران وتركيا.

ويبدو أن ما حدث لسليماني قد شكل تهديداً مباشراً لها ولحلفائها في المنطقة، وخاصة أن إدارة الرئيس الأمريكي ترامب تسعى لإدراج جماعة الإخوان في قائمة المنظمات الأجنبية الإرهابية، والتي صنفت في وقت سابق «الحرس الثوري الإيراني» كمنظمة إرهابية أيضاً.

وبالعودة قليلاً للوراء، يتجلى بعد العلاقة بين الجماعات الدينية «المناوئة لنظام الشاه» آنذاك وجماعة الإخوان المسلمين في الفترة التي سبقت تأسيس الجمهورية الإسلامية عام 1979، من خلال الزيارات التي جمعت بين قادة جماعة البنا الإخوانية وهذه الجماعات، وتقديم الدعم المعنوي والخبرة التنسيقية والتدريبات، والشواهد التاريخية في ذلك مزدحمة، وما كان يتم مكافأة هذا التعاون والدور في إنجاحه إلا بإنشاء أول حزب سياسي إخواني في إيران بعد ثورة الخميني المسمى بـ«حزب الدعوة والإصلاح»، الذي لم يكن يشكل خطورة على النظام الإيراني، طالما أنه كان يلتزم بالدستور ويبتعد عن أي قضايا تثير حساسيات تجاهه. فكان أن استمر يلعب دور الرسول وهمزة الوصل بين النظام الإيراني وجماعة الإخوان المسلمين وحلفائها في المنطقة لتحقيق الأهداف السياسية والعسكرية المشتركة.

وخلاصة القول: إن التحالفات التي ظلت غير رسمية بين الطرفين لعقود أصبحت معلنة بشكل رسمي، ويتم تداولها في الإعلام بصورة كبيرة، وهو ما ظهر جلياً في السنوات الأخيرة، وكان آخرها اللقاء الذي جمع كلاً من أردوغان وروحاني وتميم في قمة كوالالمبور المنعقدة في ديسمبر الماضي، وهو ما يفتح تاريخاً جديداً من الصفقات والاتفاقيات السرية والمعلنة لمشاريع تضعف المنطقة العربية وتعمل على تدميرها.